محمد ناجي أحمد : تكوين العقل السياسي اليمني نتاج خمسة قرون، وليس وليد اليوم

شبكة الطيف : حاوره / لؤي سلطان
تمر اليمن بمنحدر وجودي، إما أن تخرج منه دولة قوية مستفيدة من كل هذا الشتات الطائفي الذي نعيشه، أو أن تستمر مأساتنا لعقود.
لكنني متفائل بأن اليمن كفينيق سرعان ما تتخلق من الرماد وتحيل الرميم إلى خلق جديد…
عن القضية اليمنية وجوهر الصراع كان لنا هذا الحوار مع الكاتب والناقد محمد ناجي أحمد…
لديه العديد من الكتب التي تحفر في الذاكرة والعقل السياسي اليمن، سواء كتابه من جزئين “المذكرات السياسية في اليمن” والذي سيصدر قريبا عن دار أروقة بمصر، أو كتاب “جدل الواقع وصدى الأمكنة” أو كتابه “الأحزاب والقوى السياسية في اليمن” والذي سيطبع بطبعة منقحة عن دار أروقة، إضافة إلى طبعة جديدة ” هذا أنا…” وكتاب عن السرد في اليمن من سلطة المجاز إلى غواية التفاصيل. والذان سيطبعان عن دار عناوين… إضافة عديد كتب صدرت، سواء “نقد الفكر الابوي”عن مركز عبادي2003.
تحرير التحيزات-عن دار نجاد 2008. وكتاب الهويات الطارده-مطبعة عدن2010، وغيرها…
وهو ناقد موسوعي، يمتلك رؤية مكثفة عن الفكر والتاريخ والأدب اليمني، مما يجعل من توصيفاته وتحليله واستقراءاته شاملة للخطاب الثقافي والسياسي اليمني…

نص الحوار:

ما الذي دفعك لانتهاج النقد الفكري للواقع السياسي للفترة التي اخترت دراستها بخمسمائة عام، متوقفا بالفحص عند التاريخ الحديث؟

بالنسبة للتاريخ كما أفهمه ليس سردا نقديا للحكايات فحسب وإنما سرد وموقف نقدي من الحاضر، المعرفة هي بجوهرها موقف نقدي، وبالتالي لكي نفهم الحاضر الذي يتولّد منه المستقبل فعلينا أن نقرأ ونستقرئ تكوين هذا العقل السياسي خلال خمسة قرون، خلال خمسمائة سنة، وباعتقادي أن العقل السياسي الذي نعيشه هو نتاج الخمسة القرون التي تبدأ من القرن السادس عشر…
والمعرفة والتاريخ موقف نقدي، والمسألة ليست فسحة من الاختيارات، وإنما هو التزام منهجي من أجل فهم العقل السياسي، فعليك أن تستقرئ التكوين الذي تراكم فيه العقل السياسي اليمني خلال خمسة قرون.
والدافع هو إذا اردت أن تتسع رؤيتك في فهم الأزمة اليمنية فعليك أن تعود إلى جذور هذه الأزمة وتراكماتها خلال خمسة قرون .
الصراع هو صراع الذاكرة في مواجهة النسيان.

ركزت خلال أعمالك النقدية، على فترة القرن الخامس عشر الميلادي وما يليه، لماذا اخترت هذه الفترة تحديدا؟

القرن السادس عشر الميلادي، حدثت فيه خضّات سياسية، ابتداء من الاحتلال التركي الأول لليمن كان في تلك الفترة، والتنافس التركي والبرتغالي والبريطاني والفرنسي على المخاء وباب المندب والبحر الأحمر والبحر العربي كان في تلك المرحلة، بالتالي كانت اليمن على موعد مع لحظة تاريخية مختلفة ومغايرة لما كان قبلها، بدأت في الاحتلال العثماني، وتشكل الوعي المناهض للأتراك في اليمن ، فهي ليست اختيارا عشوائيا لذلك القرن وإنما لما يمثله ذلك القرن من عوامل داخلية وعوامل خارجية.

من خلال تناولاتك النقدية حول احداث ثورة 26 سبتمبر، لمختلف المذكرات السياسية، كيف تقرأ تلك المرحلة خصوصا أنها كانت مرحلة خروج اليمن من نظام ملكي إلى نظام جمهوري؟

بالنسبة لثورة 26 سبتمبر، كانت فعلا مناهضا وتعبيرا عن رغبة وحالة من القطيعة السياسية والمعرفية مع الحقبة المتوكلية بشكل خاص والإمامة على وجه العموم، أسهم في أنضاجها وفي حلولها حركة التحرر العربي، بقيادة جمال عبد الناصر آنذاك، وكان لمصر دور كبير في تخليق الثورة اليمنية كجزء من تخليقها للثورة العربية في العراق والجزائر وليبيا، إلخ، وبالتالي العوامل الاجتماعية في اليمن لم تكن تمتلك الوعي الاجتماعي والثوري الذي يجعلها تحدث تلك القطيعة مع الفكر الاجتماعي الذي نشأ خلال قرون تراكمت في الزمان والمكان، ولهذا أنجزت ثورة 26 سبتمبر الانتقال السياسي لكنها ولم تستطيع أن تنحز الانتقال الاجتماعي، بمعنى خلخلة الأنساق الاجتماعية الذي طمحت إليه ثورة سبتمبر من خلال هدفها بإزالة الفوارق الاجتماعية، هذا الهدف وفق الواقع الاجتماعي آنذاك وإلى اليوم ربما، كان هدفا طموحا لكن لم يحدث أن وضعت قوانين إصلاحية تعمل على تغيير تلك الأنساق الاجتماعية وبالتالي تحول الثورة اليمنية إلى تحد حقيقي وحضور حقيقي يزيح الازمنة الماضوية التي ثار عليها.
هذه الازدواجية بين الطموح السياسي وبين الواقع الاجتماعي المتخلف أعتقد انها أستمرت حاضرة في اليمن وهي التي جعلت إمكان عودة الماضي كعقل سياسي ومعرفي وسيطرته على المشهد السياسي اليمني بل وانقلابه على ثورة 26سبتمبر ومحاولاته طمس أهداف الثورة اليمنية ورموز وفكر الثورة واستعادة التراتبية الطبقية الاجتماعية السابقة بما هو أسوأ، هذه الازدواجية خدمت هذه الردة وهذه العودة واستعادة الفكر الماضوي في السنوات الأخيرة التي نعيشها.

هل كانت هناك فرصة في فترة التسعينات لاستعادة المحتوى السبتمبري واستعادة محتوى الثورة اليمنية” سبتمبر وأكتوبر”؟

أعتقد أن اتفاقية الوحدة التي كانت تنص على الأخذ بما هو أفضل من قوانين الشطرين الجنوبي والشمالي، كانت فرصة لاستعادة الوهج السبتمبري والأكتوبري، وتضع الوحدة اليمنية قدمها على ترسيخ مبدأ المواطنة وتكافؤ الفرص وترجمة شرط اقتران الوحدة بالديمقراطية عبر نفس تراكمي يجعل الديمقراطية خطوات متراكمة…
والذي حدث أنّ حالة التربص ما بين شركاء الوحدة ووعي كل طرف بأن الديمقراطية هي توزيع مغانم ومحاصصات، وهذا أفرغ الوحدة من محتواها الحقيقي وبالتالي عمل على انحراف وتحريف لمسار الوحدة والديمقراطية باتجاه تصارعي وتربص ما بين شركاء الوحدة آنذاك الذي ابتدأ بالتصفيات والاغتيالات وانتهى بحرب 1994، مصاحبا له التوجه نحو الانفصال، وبالتالي حتى الطرف الثاني الذي أعلن الانفصال أسقط من يده أهم ورقة تاريخية كان يمتلكها وهي ورقة الوحدة… في كل الحروب اليمنية كان الشطر الجنوبي من الوطن يرفع ورقة الوحدة في مواجهة الجمهورية العربية اليمنية، ابتداء من حرب 1972 و 1979 كان في كل اصطدام، الورقة الرابحة لجمهورية اليمن الديمقراطية والتنظيم السياسي للجبهة القومية وللحزب الاشتراكي، وفي حرب 94 هزيمة الحزب الاشتراكي تجسدت بشكل جوهري حينما أسقطت ورقة الوحدة عندما أعلن الانفصال، هذه الحالة الانفعالية تعكس مدى سطحية العقل السياسي الذي يجسده كثير من الرموز السياسية في اليمن، لأن المبادئ والأهداف والغايات لا تتوارى في حالات الانفعال الشخصي وإنما أنت تنتصر دوما من خلال كونك رافعا لهذه الغايات والمثل التي تعبر عن الأهداف الجمعية لليمنيين.

من خلال تناولاتك النقدية للأحزاب السياسية في اليمن، كيف تقرأ النموذج الحزبي اليمني؟

بالنسبة للمسار الحزبي في اليمن هو بدأ منذ عام 1959 في شمال اليمن وبدأ عام 1956 في عدن، والاحزاب هي دوما كوعي ابنة بيئتها، والواقع الاجتماعي اليمني في أوضاعه الاقتصادية والثقافية والسياسية تجعل الأحزاب هي ابنة هذا الواقع، وما يتميز به هذا الواقع الاجتماعي من ازدواجية البداوة والعصرنة والحداثة من تفكير تقليدي ونزوع استبدادي وتداول للعنف وبرغبة في الاستيلاء على السلطة وإدارة الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بذات العقلية التي كان يديرها خصمك.. والاحزاب السياسية هي كانت ما يمكن أن نطلق عليه ” أشباه ونظائر” وهناك صراع على السلطة ولكن ليس هناك تباين برامجي حقيقي، بمعنى آخر إن الديمقراطية كفكر كانت هي العنصر الغائب داخل العملية الحزبية وداخل الانظمة السلطوية، لهذا ترى كل حزب لديه النية لقمع الآخر، وسحل المختلف معه.. ولم تفرز العملية السياسية في اليمن التفكير التنافسي وإنما كانت تفرز مسألة إلغاء الكفاءات وتقديم الثقات، وغياب الديمقراطية بين الأحزاب وداخل الأحزاب بنفس الوقت، جعلت الأحزاب والمسار السياسية اليمني مسار تسلطي واستبدادي، كنت ترى بأن ثنائية الطريد والمطارد والمخبر والحزبي، هذه الثنائية عندما تستقرئها بتأمل ودراسة للسمات الشخصية لكل من المخبر والحزبي، تجد أن الشخصيتين يمتلكان العديد من السمات المتطابقة والمتشابهة، هو تنافر وتماهي بين الضحية والجلاد، وسبب هذا التماثل هو غياب الفكر الديمقراطي داخل الأحزاب، مثل الانظمة المتسلطة كانت تكون اجهزتها القمعية لمطاردة الناس ومن أجل الناشطين السياسيين ومراقبتهم وكان القائد الحزبي أيضا، يمتلك جهازا أمنيا داخل حزبه لإدارة الحزب والتنظيم بذات العقلية التي يديرها رئيس جاء إلى السلطة من خلال دبابة.

ذكرت في كتابك” هذا أنا” أن الاحزاب السياسية كانت آليات لإنتاج القهر لا مقاومته وآليات تصنع الكادر الطائع لا الفرد المبدع، برأيك لما تنتهج الأحزاب هذا النهج!

غياب الديمقراطية والتباين البرامجي وغياب المشروعية الفكرية لهذه الأحزاب، حتى انك تستطيع أن تقول أن كل الأحزاب هي أحزاب تنتمي إلى الإسلام السياسي، وليس هناك تباين حقيقي وعندما جاءت الوحدة والديمقراطية والتعددية تم وضع قانون للاعتراف بالأحزاب اشترطت على مجموعة ثوابت، هذا الثوابت جعلت الأحزاب تتجه نحو التماثل والتماهي، سواء في برامجهم ومشاريعهم الفكرية أو في برامجهم الحزبية أو في برامجهم الانتخابية، ليس هناك تعدد برامجي ولم يكن هناك صراع تنافس برامجي، وإنما صراع سلطوي، وكان البرنامج نفس البرنامج وهذا انعكس في مؤتمر الحوار وهم يتحاورون، الكل قدم تصوره عن شكل الدولة وبناء الدول وتصوره للنظام السياسي بنفس النمطية ولا تستطيع أن تفرق بين ورقة الاشتراكي وورقة الوحدوي الناصري وورقة الإخوان المسلمين، والورقة الوحيدة التي شكلت نوعا من التباين في شكل الدولة التي قدمها أحمد عبد الرحمن شرف الدين، اتضح لاحقا أن الحركة الحوثية لم تكن جادة في تصورها لشكل الدولة وإنما كانت المسألة نوع من الفهلوة السياسية الشبيهة بذريعة إسقاط الدولة بحجة إسقاط الجرعة؛ أي التي اقتضتها اللحظة الذرائعية للاستيلاء على السلطة، ثم بعد ذلك قدموا تصورا سلفيا أكثر رجعية على مستوى الممارسة وإدارتهم لسلطة للأمر الواقع.

تقول في كتابك سابق الذكر، إن في غياب المكاشفات النقدية السبب في تطور عنفنا كممارسة ولغة الكلام ولغة البندقية، ما سبب غياب هذه المكاشفات النقدية!؟

الاحزاب السياسية في اليمن في طورها السري، كانت مقموعة، والقمع لم يكن مجرد اعتقاد وكان القمع يتمثل بأساليب عديدة، بالاعتقال والاخفاء والتعذيب والسحل وهذا الجو من الصراع فرض نفسه وعكس نفسه داخل الأحزاب بأن أتخذ النهج العملي السياسي السري وشكله الظلامي، عنف السلطة من الخارج يبدو لي أنه التهم الحزبي وجعل من الحزبي مرآة للقمع السلطوي ومرآة لسوط السلطة، بالتالي كان هذا الكم من العنف على المستوى اللغة وعلى مستوى التفكير والممارسة.

لماذا تنظر الحركة السياسية كما تقول في كتابك” هذأ أنا” إلى فكرة المراجعات لتاريخها ووقائعها على أنها سلاح للنيل منها، وكما أن اليسار أيضا يرى في الذاكرة وبوحها عدوا مغلقا يجب شطبه ونسيانه!؟

الذاكرة كتاريخ هي في جوهرها صراع ما بين الذاكرة والنسيان، والأحزاب السياسية في الذاكرة عندما تسلط الضوء على تاريخها ومسارها تجدها متماثلة تماما سواء كانت في السلطة أم في المعارضة وليست مغايرة، ومن هنا أصبح القائد الحزبي يخشى المكاشفة في الذاكرة ويرى أن وقت الكتابة التاريخية ليس مناسبا الآن، والوقت بالنسبة للحزبي ليس مناسبا في أية لحظة تاريخية، لأنه في جوهره لديه خصومة مع الذاكرة، كون الذاكرة تقدم صورة تقريبية لحقيقته عبر الأزمنة وهويريد أن يخفي هذه الصورة؛ لأن تسليط الذاكرة واستعادتها لتلك المسارات والوقائع والأحداث، تجعل هذا الحزبي مستبدا بالفعل ومستبدا بالقوة، اذا استخدمنا الفعل عند الفلاسفة ومصطلح القوة،.. مصطلح القوة هو أنك مستبد بالإمكان، متى ما توفرت لديك فرص التسلط والعنف أنت مستبد، ومستبد بالفعل بالنسبة للأحزاب التي حكمت اليمن، هنا تولدت حالة من العداء والعدوانية ما بين الأحزاب وتاريخها، ستجد كثير من الأحزاب يسارية وأحزاب إسلامية رفضت إلى اليوم أن تدون تاريخها
اذا سألت الإخوان المسلمين عن تاريخهم منذ الستينات إلى اليوم لن تجد تاريخا لمواقفهم ووثائقهم وبياناتهم، كون أن الإخوان ينطلقون من مبدأ أنهم كانوا على حق في كل مرحلة تاريخية، هم على حق في تلك اللحظة وإن كانوا يرونها الآن لم تعد صالحة، فالفكر عند الإخوان المسلمين ينطلق من أن تلك الممارسات كانت صحيحة في وقتها، غير صحيحة في هذه اللحظة، بمعنى أن محمد عبد الله اليدومي كجلاد وضابط ووكيل لجهاز الأمن الوطني في الثمانينات كان على صواب في تلك اللحظة وتحدياتها وهو في هذه اللحظة لم تعد تلك الممارسات مفيدة، لأنه أصبح رئيس حزب التجمع اليمني للإصلاح “الإخوان المسلمين في اليمن”، هذه طبيعة المراجعات عند حركة الإخوان المسلمين، عدم تخطئة المواقف ومراجعة الخطايا وإنما تزكيتها في لحظتها التاريخية مما يجعل إمكانية استعادة أدوات العنف تتكرر…
اعتقد أن فكر الإخوان المسلمين ينطلق ايضا من طبيعة التفكير الفقهي، ستجد أن البعض وهم يتحدثوا في الفقه وقضايا تتعلق بالعبيد والجواري والقيان، وأي مثقف يقول ما الداعي لبقاء هذه الدروس في المذاهب الإسلامية، يرد عليك الفقيه بأنه قد نعيش في لحظة تاريخية قادمة يكون فيه عبيد ورقيق وجواري، ونحن نحتاج إلى هذا الفقه، وهذا النوع من التفكير الفقهي هو أيضا مسيطر على حركة الإخوان المسلمين، وأن تلك الممارسات هي صائبة في وقتها وأيضا صائبة في لحظة تاريخية مستقبلية، وليس هنا في فكر الإخوان المسلمين وفي فكر الاسلام السياسي بشكل عام ما هو خطأ، وأنما هناك صواب يتناسب مع اللحظة التاريخية.

وماذا عن الأحزاب اليسارية!؟

الاحزاب اليسارية لا تؤرخ لتاريخها وأحداثها وتكتفي بالانتقائية وتاريخ المظلومية والمعذب، تلك الصورة النمطية لليساري المطارد والمقموع والمخفي والمعتقل، هي التي يحافظ عليها اليساري، لكنه لا يسلط الضوء على التهام الجلاد له، بمعنى أن الجلاد أصبح داخله وبالتالي مارس في تاريخه السياسي كثير من السلوكيات على مستوى الموقف واللغة والرؤية ما يجعله صورة مماثلة تماما لعنف السلطة، قليلة هي الكتابات اليسارية التي تتحدث عن احداث 13 يناير1986، إلى اليوم لا توجد كتابة تناولت ذلك الحدث بسقفه المفتوح لدى اليساري، كتاب لمنصور هائل “أطياف عدن” كان محاولة للاقتراب من ألم تلك اللحظة، لكنه أيضا قمع بعنف نصائح بذريعة أن الوقت ليس مناسبا للكتابة، ينبغي التأجيل، وتاريخ اليسار ظل تاريخا موجعًا وما كتب تاريخ وذاكرة اصطفائية وانتقائية، لا تقدم صورة حقيقة لتاريخ اليسار، الذي لو اتخذنا له كنموذج في حكم جمهورية اليمن الديمقراطية من أول صراع السلطة نتيجة غياب الديمقراطية داخل تنظيم الجبهة القومية ما بين رموز الجيش الذين وقفوا مع الجبهة القومية وساعدوها في السيطرة على السلطة عند جلاء الاستعمار وطرده من جنوب اليمن، ثم بعد ذلك الصراع داخل أقطاب الجبهة القومية والفرز الذي حصل لليمين واليسار ثم صراع داخل اليسار، ما بين يسار يمثله سالمين ويسار مثله عبد الفتاح إسماعيل، ثم الصراع الذي تم بوجبه ما بين علي ناصر محمد وما يمثله من طرف وعبد الفتاح إسماعيل وما يمثله وصولا إلي انفجار هذا القيح في 13يناير1986، لم يدفع اليساريين إلى التفكير عن الخلل الحقيقي، واعتقد أن المذاكرات السياسية التي كتبها جار الله عمر كان فيها اقتراب حقيقي من العوامل التي أنتجت وجبات الصراع المتعددة، وهو حدد ذلك في غياب الديمقراطية والتعددية داخل هذه الأحزاب، تم طمس التعددية وجعل التناقضات تنتقل من تناقضات تنافسية بين أطراف متعددة إلى تناقضات قاتلة داخل البنية الحزبية، وهي نفس الإشكالية في الوحدة اليمنية عندما تم إعلانها، بدلا من أن تدير التعدد ما بين المؤتمر الشعبي والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري والتجمع اليمني للإصلاح، وحزب الحق إلخ، اتجهت نحو التفكير لتنظيم سياسي واحد، فكرة التنظيم السياسي الواحد هي فكرة خطيرة، لأنها تستهدف التعدد وعندما تم فشل خيار القضاء على التعدد سلميا من خلال فرض تنظيم واحد يمثل الجميع تم القضاء على هذا التعدد بقوة السلاح…
كقانون اجتماعي إنساني بشري لا يمكن شطب التناقضات وإزالتها ومحوها، كونك قضيت على خصمك الخارجي ينتقل حينها التناقض إلى داخلك، وهذا ما حصل مع المنتصرين في حرب 1994، عندما تم القضاء على الحزب الاشتراكي، ثم بدأت التناقضات داخل تكوين شركاء الحرب وبدأ الصراع ما بين المؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح، وأخذ هذا الصراع كقانون اجتماعي طبيعي يتجسد بشكله الناعم في انتخابات 1997 و 1999م، وانتخابات 2003 و 2006 وصولا إلى الاستقواء بالشارع في 2011، وتم إزاحة النقيض بإزاحة صناديق الانتخابات، ورفض فكرة الانتخابات وإزاحة النقيض عن طريق الشارع، وأسقطوا الرئيس علي عبدالله صالح من خلال الشارع الذي وصف بأنه ملاييني، وهو توصيف إخواني كان المبتكر لهذا المصطلح هو “حسن الترابي” في النصف الأول من الثمانينيات عندما أصدر الرئيس السوداني “جعفر النميري” قوانين سميت وقتها بأنها قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية.
في 2011م ومع اسقاط الرئيس السابق علي عبدالله صالح كانت صيغة التسوية الخليجية تقاسم السلطة 50% للمؤتمر الشعبي وحلفائه، و50% لأحزاب القاءالمشترك، وهذه الثنائية لم تكن حصرا على تشكيل الحكومة فقط بل كل مفاصل السلطة. كان هناك نية لإسقاطها وبالتالي كان الصراع قائما؛ لأن هناك ثنائية في الحكم وفكر التعددية لدى الاحزاب السياسية مرفوض، كون العقل السياسي الحزبي والسلطوي هو عقل أحادي عقل هيمنة وسيطرة أحادية، فتم الالتفاف على هذا التعدد من خلال استقطاب العديد من قيادات المؤتمر الشعبي العام ووصل هذا الاستقطاب إلى استقطابهم عبد ربه منصور هادي وعديد قيادات مؤتمرية، ولم يكن استقطاب وليد تلك اللحظة لكن كان استقطاب قديم يعود إلى عام 1986، وهذا ما صرح به علي محسن الأحمر في حوار مع صحيفة “أخبار اليوم” عندما قال: كنا متفقين مع عبد ربه منصور هادي في حرب 1994 على التغيير وكان الإخوان المسلمون في شقه العسكري والمدني يمتلكون القوة، والجيش كان في 94م هو جيش الإخوان المسلمين.

تعليقا على ما قلته سابقا، كيف تقرأ خطاب التجمع اليمني للإصلاح في 2011 عندما حملوا علي صالح مسؤولية 33 سنة في الحكم دون تحقيق أي تنمية للبلد!؟

الاخوان المسلمون في تاريخهم عبر شراكاتهم محكومون بانتهازية سياسية، طيلة عقود الثمانينات والتسعينيات والى عام 2011 كان حضورهم داخل السلطة حضور قوي يصل الى ثلثي السلطة في شقيه الإسلام السياسي والقبيلة السياسية، ونزول أعطى مؤشر الإخوان المسلمين الى 2011، يمتكلوا ثلثي السلطة هو عدد النواب والوزراء والسفر الوزراء والسفراء والنواب وكبار الضباط إلى ساحات الاعتصام في أحداث 2011 وتقديم استقالاتهم والقوات العسكرية والفرق العسكرية والمحاور والألوية الذين انظموا إلى 11فبراير2011، يعكس حجم السلطة التي يمتلكونها.
وهذا التفكير في العقل السياسي اليمني يمارسه الإخوان المسلمين مع عبد ربه منصور هادي في لحظة اختياره رئيسا للجمهورية، وهو خيار الإخوان والسعودية أيضا، لان استقطاب عبد ربه بدأ عام 1986، واستقطاب هادي يذكره علي ناصر في مذكراته، لان السلطة في الجمهورية اليمنية استخدمت الرئيس هادي في التلصص على علي ناصر محمد، يقول علي ناصر في مذكراته بأن علي محسن الأحمر والرئيس علي عبد الله صالح، كانا يستخدمان هادي في أغراضهم السياسية تجاه علي ناصر محمد.

كيف تقرأ خطاب الإخوان المسلمين في وقتنا الحاضر!؟

خطاب الإخوان المسلمين تجاه الشرعية وتجاه عبد ربه منصور هادي هو خطاب متنمر، يحملوا هادي كل هذا الفشل والسقوط والانهيار الاقتصادي، وذلك لان حركة الإخوان المسلمين هي دائما تستخدم رأس السلطة كمظلة وهي التي تمتلك السلطة الفعلية في الواقع العملي، ومع هذا التجويع خلال هذه السنوات، الشارع مشتعل والإخوان المسلمين لابد لهم من كبش واضحية، وهنا يستخدم عبد ربه منصور هادي ككبش فداء، لتبييض تاريخهم، وهم يمتلكون من القطيع سيلا كبيرا ويساعدهم في ذلك ضعف الذاكرة ومحو الذاكرة عند الناس، والصراع في جوهره هو صراع الذاكرة مع النسيان، ودائما القوى الظلامية تستخدم النسيان في حربها مع الذاكرة، فيساعدهم في ذلك واقع اجتماعي متخلف وأمية تزداد تضخما، عملة متضخمة واقع اقتصادي منهار، كل هذا يساعد الإخوان المسلمين في اليمن على أن يستمروا في لعبتهم السياسية.

بعد هذه التجربة الطويلة.. هل لك أن تصف واقع النقد السياسي و أين تراه في المستقبل؟

بالنسبة للنقد السياسي إلى اليوم ما زال نادرا، لو استبعدنا ما كتبه جار الله عمر في مذاكراته السياسية، كانت محاولات ليست مفتوحة بشكل مطلق ومقالات كان كتبها سلطان أحمد عمر بعد توقيع اتفاقية الوحدة نوفمبر 1989، ولو أخذنا ما كتبه الدكتور أبو بكر السقاف الذي كان يمثل منهجا نقديا في التفكير السياسي النقدي نادرا في العقل السياسي النقدي فإن العقل السياسي اليمني لم يفرز وعيا نقديا جذريا لهذا الفكر، ولهذا دوما تستعاد الأزمة اليمنية تفكيرها وبؤسها وسقوطها في قيعان عديدة، بمعنى ليس هناك تراكم لوعي نقدي سياسي، رغم أن العقل السياسي النقدي كان متمثلا في الستينات في باذيب وجسده أيضا محمد أحمد نعمان في العديد من كتبه، لكن أيضا كان البعد الجغرافي والجهوي حاضرا في التفكير عن حل للأزمة اليمنية من خلال ما سماه محمد أحمد نعمان” بالأطراف المعنية” وكان المقصود بالأطراف المعنية ليس المواطن والمواطنة وانما الوجاهات الاجتماعية التي تمثل هذه الجغرافيات، ويمكن أن يكون هذا من بؤس التفكير السياسي الذي انطلق منه محمد أحمد نعمان في كتاباته. وكأنه محكوم علينا أن نظل داخل العقل السياسي المحكوم بأهل الحل والعقد، والأطراف المعنية كمشيخات وقوى اجتماعية تقليدية، وليس فكر مواطنة ووطن ومواطن.

*بيس هورايزونس