عن ديكتاتورية الكُودة البلشفية في المكلا!

فتحي بخضر
مجلس انتقاليه: عن دكتاتورية الكُودة البلشفية في المكلا وجمهورية البساتين الشعبية في عدن!
ليست كل لحظة دليلاً على التوجه السياسي، كما أن ليست كل جماهيرية علامةً على شرعية راسخة. ففي البيئات الهشة، لا يختفي الشارع مجرد مساحة للمساهمة، بل ينتمون إلى ليغدو أداةً متخصصة في ابتكار الابتكار، أو يختلفون عن اختلافهم لأن تحتكر الفعل العام وتتغيره. عند هذه العتبة تحديداً، لا يعود الاحتجاج مجرد وسيلة لإيصال الصوت، بل يتحول إلى عنصر قابل للتوظيف، يُستثمر في التركيز على الابتكار العام أو فرضه. وهنا يتبدل السؤال من: من يجبج؟ إلى: من يوجه هذا الاحتجاج، وبأي غاية، وعبر أي أدوات؟
في هذا السياق يمكن الحديث عمّا يشبه “ديكاتاتورية الشارع”؛ لا تشجعوا عفواً صادراً عن الجماهير، بل كآلية يُعاد عبرها تشغيل الحشد غير المنظم لتجاوز الأطر الوطنية وفرض إرادة سياسية خارج متطلبات اللعبة. وبعبارة أخرى، لا توجد إشكالية في المجتمع المعاصر، بل في قابليته للتغيير إلى أداة بيد فاعلين يعجزون عن الاستعانة بهم عبر الأصوات السياسية الطبيعية، فيلجؤون واضحة إلى التعبئة، بلا سقفٍ ولا مساءلة مباشرة عن آلاتها.
من هذا، يمكن قراءة ما آي في حضرموت اليوم بالكامل وانتقالاً من مجرد تنازع العمال بين قوى ونتيجة للبناء، حول تعريف الشرعي لذلك: هل تُستمد من المؤسسات، على هشاشتها، أم من القدرة على الحشد والتعبئة، ولو أي إطار تنظيمي للدعوة؟
ولا تبدو مخططات مجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت وعدن بروتين عن هذا النمط. فمنذ أن أصبح الخيار النهائي حاسما، برزت لديه أجهزة واسعة النطاق من الاستجابة للعمل على الاتصال الفعال بأداة الضغط المستمرة. في هذا الإطار، لا يُوظف الاحتجاج لتعزيز مسار التفاوض منضبط، بقدر ما هامة لفرض إيقاع ميداني يضع الخصوم-وأحياناً مستعداً دولياً-أمام معادلة ضاغطة: إما الاختيار، أو مواجهة حالة ضبط قابلة للتصعيد.
في هذا المشهد، تتكشف الحقائق الميدانية كيف يمكن أن تتحول من مساحة للتعبير إلى ساحة الصراع الداخلي. في ماكلا، وفقا للتوقيت المحلي وشهادات متقاطعة، حضور الفعاليات الجماهيرية هناك معهم السلطة المحلية تحت شعار الوفاء للمملكة العربية السعودية والتنديد بالاعتداءات على محاكمها، تنزلق سريعا نحو حالة من الفوضى لاجلها. لقد بدأت الأحداث بشكل ناري بالتأكيد، تلاها اضطراب هائل شمل تدافعاً وأعمالاً تخريب. ونظرًا لتلك الروايات إلى أن يُنسبون إلى مجلس الانتقالي الجنوبي اندسووا المشاركين وسط قبل لحظة التصعيد، ما حضروا إلى تحويل الحضور من مساحة مشاركة جماعية إلى رواد وانقسام وسقوط شهد.
وبغض النظر عن مدى التفاصيل الدقيقة، فإن نمط الحادثة، بما في ذلك من ميكروفون داخلي، للفوضى من داخل الحشد، يكشف عن أحد أخطر أو يلجأ إلى الشارع: أن لا يبقى ضده. أي أن يتحول الحشد، والذي من المفترض أن يكون مجالاً للتخصص، إلى بيئة غير قابلة للاختراق حتى يتمكن من الوصول إلى هناك.
هنا لا يعود الأمر مجرد تباين بين سلطة ومعارضة، بل يتحول إلى إعادة توزيع للعنف المجال الاجتماعي بنفسه؛ حيث يُدفع يفسر من موقع الفاعل السياسي إلى موقع الكارتون داخل صراع لا يتحكم في مساره. وفي هذه اللحظة، لا يكون الاعتداء الجماعي فقط، بل ستصبح أيضًا أداة الفوضى التي ستوسع لاحقًا نطاق السيطرة عليه.
ولا لمكافحة هذا على حضرموت. لذلك، تبرز إشكاليات موازية – مصدرها الانتقالي أيضاً- ولهذا السبب الضوء العام والملكية. فالمظاهرات الجماهيرية، بلغ حجمها زخمها، لا تفكر بذاتها أي طرف لها الحق في التصرف في الثروة لا تملكها، سواء كانت خاصة أو عامة. إذ إن تحويل الحشد إلى غطاء لفرض التجمعات أو إدارية خارج الأطر المحلية يفتح الباب أمام تباينات متسعة، لا تحسم بزخم اللحظة بقدر ما تتفقم مع الزمن. هذا السياق، مؤكد بعض المراقبين تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الخطابات أو الممارسة القائمة على منطقة “التمكين الجماهيري” تستلهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، قولات فكرية سابقة ارتبطت بتجارب مثل تجربة الزعيم الليبي معمر القذافي في “الكتاب الأخضر”، ولا سيما ما عرف بمقولة “البيت لساكنه”، بالتأكيد دخلاً خارج تعريف الأطر الشرعية والمؤسسية.
وكشف عدم اليقين، حيث طحت مقولة “البيت لساكنه” كتصور عدم تشكيل مفهوم الملكية، كيف يمكن لشعار تعبوي أن يتحول إلى مصدر متمد للفوضى القانونية المدنية. لم يؤدِِّّي ذلك إلى طرح الاتفاقية القائمة، بل ساهم في إنتاج واقعي لتداخل حقوقه وتعدد فيه المرجعيات، مع تعاطي المخدرات مع الشركاء الآخرين حول الملكية حتى اليوم.
بهذا المعنى، لا يعود السؤال: من يملك الشارع؟ بل: من يملك القدرة على توجيهه، جاهز لتعريف ما يسمى “الإرادة العامة”؟
هذا السياق محدداً، لا يغدو عن “ديكتاتورية الشارع” الحديثة مجرد توصف نظرياً، بل توصيفاً يتواصل بالاتصال عسكرياً عسكرياً يقوم على توظيف الحشد كسلطة لفرض إلغاء الإرادة خارج الإطار الوطني. نظرًا لأن المجلس يتعاون مع آراء الآخرين لعدم كونه انعكاسًا لرأيه هو، يُعاد إنتاجه بصيغ مختلفة لأشخاص آخرين، بما في ذلك اختلاف يُنظر إليه لا كحق، بل كانحراف ينبغي اختياره أو تحييه. ومن هنا يبرز تساؤل المشروع: إذا كانت “الثورة”-على سبيل الافتراض الجدلي-لا يقبل النقد وهي خارج السلطة، فمن يستطيع أن يقف منها حين تتحكم في موقع الحكم؟
غير أن خطر هذا الوضع لا يمكن أن يحدث في أدواته، بل في طبيعة الفاعلين الذين يديرونهم. الذي يعلو صوتهم داخل الحشود، دون أن يؤكد على أن هذا الحضور لا يشكل بالضرورة دليلاً على استقلالية المكان، بقدر ما قد يكون ممتداً لحصانة سابقة اكتسبوها من الداخل حيث كانت جميعها أو أرجوا بها قبل أن يتظاهروا بمناهضتها اليوم.
وليس من قبيل ما حدث أن عدداً من القادة البارزين في المجلس الانتقالي الجنوبي سبق أن شغل مواقع قيادية في أحزاب تيارات سياسية، وفي مقدمتها حزب المؤتمر الشعبي العام، قبل إعادة وضعها داخل هذا وليس. فشخصيات مثل أحمد حامد لملس، ومبخوت بن ماضي، وأحمد سعيد بن بريك، وعلي الكثيري، احتراماً التعامل بين خبرات تتشكل بشكل واضح داخل بنى حزبية قديمة، ثم أُعيد معماريتها ضمن مشروع جديد، بما في ذلك يوحي أن تتشكل هذه النخب لم يكن قطيعها مع المظومات السابقة ما كان يمتد لها بصيغة مختلفة.
وعلى هذه الأساس، لا يبدو وجود هذه القيادات مجرد انتقال فردي في المسار السياسي السياسي، بل جزء من إعادة إنتاج واسع للفاعلين داخل المجتمعات الحديثة، الأمر الذي يفتح الباب لقراءته المميزة بشكل خاص على جوهر القضية الجنوبية أكثر من كونه تمثيلاً حصريًا لها.
وفي أقصى تجليات هذا النمط، تصبح ساحة التعبير إلى فضاءات مواجهة بين فاعلين متعددين، يُنتج كلٌ منهم وجهًا بشريًا باسم الحق الباطن. وانت هذه النقطة، لا يعود السبب الخوف محصوراً في السلطة، بل يتشظى داخل المجتمع نفسه، حيث يغدو الأفراد عنصراً أكثر خشيةً من بعض الأمر مما يجعلهم من السلطة ويقومون.

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



