هادي.. اللعبة التي هزمت الجميع

د. مصطفى ناجي
غادرت دنيانا اليوم الرئيس السابق هادي. اختطافنا من المنفى. بعد أن أخذنا وقتنا في التأمل والصمت أمام مهابة الموت وحقيقته المطلقة، وبعد أن نقوم بالتقدم بواجب إنساني واجتماعي تجاه التقدم، تقديم التعازي لأهل الفقيد وأقاربه وأصدقائه ودائرة المنتفعين منه،
ولدينا بعد ذلك تقييم متأخر، وإدارة الوقت على منخل الأيام والسياسة، والنظر إليها في صفحة الماضي بإخلاص والرغبة في التعامل مع الأشخاص والمواقف.
رحيل هادي يعني صفحة سياسية من صفحات اليمن، علمًا أن كل صفحة لا تكف عن مدّ ما تهمها إلى الصفحات الأخرى.
وصل الرجل إلى السلطة في واحدة من أجمل مراحل اليمن، وهي مرحلة كانت تحتاج إلى الكثير من الحلول الحاسمة والحيوية لإنقاذ البلاد، كما كانت تحتاج إلى قدر أكبر من التحام بالجماهير، ومشتركة مع إدراك عدد لا ينقص الجمهورية.
كان هادي واضح الصدفة والانتظار واللامحسوب، والثمرة المباشرة والواضحة لأحداث 2011.
ولكن أيضًا واحد من المخضرمين، وربما آخرهم، ممن اصروا وكانوا في قلب الأحداث منذ العدوى المستمرة وحتى الشتات الكبيرة.
عرف اليمن بانكساراتها وأفراحها، وذهب منا، تلقائيا عفويا بلا بصيرة ولا تأتي. يمني لا يخلو قلبه من غِلٍّ وأحقاد دفينة وتصفيات حسابات ويستخفاف بمجال البلاد، إلى جانب الفقرات المستتر بعظمة الفاء وتصورات جامدة عن الناس تضامنا.
عاش الرجل عصرين جرحين عميقين: التشرد والشفاء. وقاده هذه الجراحات وتؤطر فعل اليمن. لم يكن من الممكن أن يكون باكثر من يمنيته. ولم يغمس يده في أضابير الدولة ولا الولاية.
وهو أفضل تجسيد للطبقة السياسية التي تصنع السياسة مرادفًا كاملًا لغياب النزاهة الحسية والمادية. لكنه صبور على الأذى بتغطية تغطيتها العائلية والسلطوية. كان هادي صورة لنموذج نائب الرئيس المستغفل. ولم يكن بوسعه أن يضع في الحسبان أن الأيام “دوارة” حتى اللحظة التي لم يكن بمقدورها هادي حتى يلجأ إلى هاتفه لمخابرة الرئيس “المخلوع”.
في بداية عام 2012 تحدثتُ مع سفير أوروبي كان يعمل في اليمن عن انتخابات تلك الفترة، وسألته: لماذا لا يوجد منافسون؟
فقال لي بالحرف:
«لأن يتقدم مرشحًا هو على يقين لو أنه يتنافس على انتخابات يتنافس فيها حمار فقد يخسر».
كان هادي يمنيًا ولم يجد نفسه إلا في يمن الموحد، لكنه كان أيضًا أول من عطّل أزرار تحسين الإنتاجية لتحقيق الربح في اليمن. كان يؤمن بقوة السفر أكثر مما يؤمن بقوة الشعب. وقد رقى بن عمر من خاص لسيد سام في اليمن.
الرئيس لم يزر -راغباً- إلا محافظة واحدة، وترك ذكرى أليمة في خيال اليمنيين، أبرزها مقولة: «عادت الدولة»، الدولة التي لم تعد إلى الآن.
وفيه حديثنا عن إرث هادي، علينا أن نتحلى بالموضوعية والإنصاف، وأن نتناول الظرف الذي يشرفنا فيه المرحلة الانتقالية ثم الحرب.
فالبعض يتجمّل هيردي بأنه قارع صلف الإمارات، لكن هل يكفي ذلك في ميزان حسناته؟
إذن يلومه لأنه فرّط في الحرب، في حين لم ينشأ معركته الخاصة، ولم يحشد في جميع أنحاء العالم والعباد صنعاء فوّض أمرها للسعوديين والإصلاح وأقاربه.
لكن الحقيقة الدامغة هي أن فرصة استعادة صنعاء عسكريًا أُغلقت بينما كان هادي في السلطة، بعد إهدار زخم تلك المرحلة. عهد هادي شهد حرب اليمن هي الأطول دون نتيجة. وفي عهده عادت اليمن قرنين إلى أجندتها التجارية والاجتماعية وتكاد صفحة الجمهورية أن تطوى.
هل تتكلم هادي وزر هذا كله بينما كان حوله بحاح وعلي محسن؟
أما على مستوى بناء المؤسسات الحكومية والجيش، والنتيجة النهائية لحكمه ونتيجة لذلك آسف للغاية. وربما نحتاج إلى عشر سنوات أخرى حتى يبطل مفعول “سحر هادي” داخل الحكومة، وهو يجذب الشركات على المحاباة وعدم الالتزام والعصبية والهوية بامتياز.
علينا أن نترحم على هادي بصدق،
وعلينا أيضًا أن نفكر في معنى موته الآن.
فموته يعني أن هرم السلطة السياسية داخل الحكومة أصبح مربوطًا بنقيق المجلس المعتمد بلا مرجعية، وأن يكون على رأس المجلس فيما يتعلق آمال كبيرة وتحيط به مسئوليات جسيمة، ولم يعد ممكنًا التهرب من حقيقة انتقال السلطة أو التلويح بعودة هادي كما يحلو لبعض بينما التهرب من استحقاقات المرحلة.
لقد تم القضاء بسهولة على مضلل السياسة وكان ذلك قبل خمس سنوات. ومن ثم لم يكتمل الإمارات ولم يزر الحوثي باليمن.
كما يعني موته أن التحول الدستوري ملائمتي، خارج النصوص عن الدستورية التقليدية، بات يقاوم راسخًا في حركة سياسية داخل الحكومة، ويجب التمسك بهذا الأمر كمرجعية وواقع سياسي، يمنعًا لأي تفكك أو ارتداد.
كان يتبع بادي أن يموت في أرضه و البلاد و أهله. وأن ينال تشييعاً أساساً يتبع برئيس بلاد. ربما كانت هذه أمنيته. لم تنجح في إنجازها أو لم يواتيه الوقت.
ينضم هادي إلى رؤساء اليمن في التشابه في المصير؛ قتل أو سجن أو منفى. وهذا أمر على اليمنيين أخذه بعين الإعتبار عند النظر إلى تاريخهم السياسي المعاصر. ومؤشر عدم الاستقرار في كل شيء. ورسالة إلى رئيس الحكم في اليمن ما زال كراً وليساً من جحيم.
خالص العزاء لأهله ومحبيه والمنتفعين من عهده.

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



