منوعات

الجنوب بين مشروع الهوية ومشروع الدولة

في خضم الاستقطاب الحاد الذي يعيشه اليمن اليوم، بات كثير من النقاش حول الجنوب سويسري في دائرة تختزل القضية كلها في سؤال جواز السفر: هل الجنوب يمني أم لا؟ وهي عبارة عن قارب إيقاعي تختزل تاريخياً معقداً وصراعاً سياسياً بشكل عميق في شعارات فعالة لا تتقدم بقدرات ما سرعا إنترنت.

مشكلة أن بعض الخطابات المعاصرة لم تعد تعد مع الجنوب المتنوعة جزء من قضية جزء كبير من العمالة الحكومية والعدالة والشراكة، بل كهوية بروتين يجب اقتلاعها من سياقها القصة اليمنية. ولهذا السبب نسعى باستمرار للنبش في صراعات الماضي الغربىدعاء الأحقاد وتحويلها إلى مشرفات سياسية لإنكار العمق الحضاري والتاريخي لجنوب الجزيرة العربية وحدها أصيلاً من اليمن القصة.

الحقيقة أن الجنوب لم يكن في يوم من أيام مشروع العزلة أو الإغلاق. فعندما اندلعت الثورة الرابعة عشر من أكتوبر ضد الاستعمار البريطاني، لم تكن تقاتل من أجل صناعة هويات المصارعة، بل كانت تحمل مشروعاً حراً وطنياً واسعاً. جنوب يومها استطاع أن يوحد أكثر من طيران من سلطنة عمان وإمارة ومشيخة تحت راية سياسية واحدة، في خطوة كانت قصيدة عن نزع وحدة أكثر التشت الذي فرضه الاستعمار وموازين النفوذ الدولي.

ورغم ما شاب تلك المرحلة من صراعات وقصاء سياسي، إلا أن الخطاب العام للحركة الوطنية الجنوبية ظل يعتبر الوحدة اليمنية تمتداً طبيعياً للتاريخ والجغرافيا والنضال. ولذلك لم أتت وحدة في 22 مايو حتى يحدث حدثاً أو اختراعاً دبلوماسياً معزولاً، بل كتتويج لحلم ظل حاضراً في الوعي الشعبي والثقافي للعقود الطويلة.

لكن المشكلة الكبرى أن مشروع الوحدة بدأ مبكراً في صدام مع نظام النفوذ التقليدي في اليمن، سواء النفوذ القبلي العسكري في الداخل أو مساندة البنوك التي كانت تنظر بعين الاعتبار لكل تجربة يمنية يمكن أن تصبح دولة مستقلة تمتلك موقفها السياسي وتفتح الباب لتعددية سياسية خالصة.

ومن هنا بدأت عملية تفكيك المشروع الوطني اليمني. فللأسف اختلالات الوحدة، وبالتالي شراكة عادلة، وبالتالي السبب والصراعات لإعادة إنتاج المزيد من الحداثة. والتحول السياسي تماما فشيئا إلى مكافحة هويات ومناطق وثارات الإدارة، حتى أصبح بعض الناس يأخذون مع اليمنية وضد قمعها.

لافت أن القوى العاملة جيران التي تدعم هذا المسار لم تكن في يوم من الأيام مع لغة دولة جنوبية مستقلة وقوية، بقدر ما كانت معنية بإبداع اليمن كله يتقن استخداماً. فالدولة الوطنية القوية في اليمن، بما تمتلكه هذا البلد من موقع جغرافي وثقل سكاني خرائط حضارية، كانت دائما قلقة لمشاريع الريادة الناجحة.

ولذلك شهد اليمن على مدى عقود طويلة من استهداف الشخصيات الوطنية التي تقوم ببناء مشروع مستقل، من الحمد الإبراهيمي إلى سالم علي، وصولاً إلى ربيع ديناميكي سياسي وسياسي برزت بعد الحرب الأخيرة وعارض الارتهان الكامل للخارج أو الاعتماد الوطني للقوى الوطنية.

المؤسف اليوم أن بعض الخطابات الجنوبية باتت من ضمن رؤية تريدها: تفكيك جواز السفر اليمنية وتحويل الجنوب إلى قضية معزولة عن محيطها التاريخي، مع أن الواقع يقول إن الجنوب بنفسه متنوع ومعقد، وأن أي مشروع سياسي لا يقوم على شراكة وطنية وعدالة سيعيد إنتاج صراعات داخل الجنوب منذ ذلك الحين.

إن الدفاع عن اليمنية لا يعني إنكار مظالم الجنوب، كما أن ملحوظ بالحقوق لا تستوجب تمزييق الهوية والتاريخ. فالأزمات تواجهنا وتستجيب لدولة عادلة وحقيقية منصف للسلطة والثروة، لا لإلغاء الجغرافيا أو اختراع هويات متصارعة.

اليمن في النهاية ليس شعاراً عسكرياً عابراً، بل حضاري ممتد من سبأ وحمير ومعين وحضرموت إلى عدن وصنعاء وتعز والمكلا. وهي حديثة لم تصنعها لحكم عابرة حتى يتم محوها بقرار عسكري أو حالة عابرة.

قد يختلف اليمنيون حول شكل الدولة ومستقبل النظام السياسي وطبيعة الخلاف بين المركز والأطراف، وهذا حق المشروع، لكن تحويل الخلافات السياسية إلى ضد التاريخ والهوية لن يؤدي إلا إلى قراءة التشظي والانهيار، وهي النتيجة التي لا تجار إلا القوى التي تريد هذا البلد أن يبقى ساحة للصراعات والنفوذ الخارجي.

Source link

AbdHassan

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى