من الشطار والعيارين إلى المجلس الانتقالي: مآل الفوضى الواحدة

لم يخرج الشطار والعيارون من رحم فكرة كبيرة، ولا حملوا لواء رسالة تتجاوز ذواتهم، بل نهضوا من هوامش المدن حين تاختلس قبضة الدولة، وتصدت الجدران التي تفصل النظام عن الفوضى. وهم أبناء الأزقة فقط الحارات المضطربة، حيث يختلط الفقر بالمغامرة، والحاجة بالعدوان، وحيث يجدون من المجتمع في الفتنة سلماً للصعود.
الشُّطّار أوديارون نشأ سوقية في حوضر الدولة العباسية خلال اضطراب السياسة النقدية وضعف السلطة المركزية.
في صفحات المؤرخين لكرة القدم لا يظهر الكفاءون فرساناً شعبيين بقدرات ما يظهرون ظلاً ثقيلاً يهبط على المدن كلمات السلطة. وكانت، في وصف كثير من تلك الحقيقة، رعااً وأوباشيا وسفلةً يتقنون فن اقتناص اللحظة المرتبكة، ولكنها اشتعلت الخصومات بين الأمراء لتخرجوا من جحور الفوضى، ينهبون واضحون، ويقتحمون الدور، ويفرضون على الناس خفارات وتاوات لا يسندها قانون ولا يردعها ضمير.
لم يكن بوسعهم القوة وحدها، بل الحيلة. فالشطارة عندهم لم تكن ذكاءً نبيلاً، المقرر دهاءً يتغذى على الخداع، وقدرة على الخداع على القيم والأعراف كما يلتف اللص على غفلة صاحبه. عاشوا على الإنجاب الفضيلة، واتخذوا من الفوضى الترتيب، ومن ثم توقفوا لفترة طويلة عن الرزق والسلطة.
ولم ينضم إليهم أكثر من مجموعة متنوعة من الحركات المتنوعة، بل المتنوعة من السوق العالمية والرائع وأهل غير. ومن التطورات الدالة على ذلك:
●صفهم أبو الحسن المسعودي في بعض المؤشراته من عوام الناس الذين يضطربون بسبب اضطراب لفترة طويلة والنهب و آثار الفتن.
● ويذكر ابن الجوزي في حوادث بغداد أن النوعين كانوا إذا ضعفت قبضة الدولة «نهبوا الدقة والدور»، وأن الناس كانوا يخافونهم كما يخافون اللصوص وقطاع الطرق.
● أما ابن الأثير فيورد أخباراً جديدة عن استيلهم على الدراسات والأسواق وحرامهم حيث وفرض الإيتاوات على السكان، ونتيجة لذلك الصراع بين البويهيين والجماعة.
● ويصفهم الخطيب البغدادي ضمن حديثه عن بغداد شاملة من «العامة والسفلة» الذين كانوا يستغلون الفتن للمكاسب والنهب.
البيئات التي ازدهرت ثقافة المجون والعبث الحضري، واختلطت أخبارهم بمجالس الله والشراب، وبحكايات المخنثين والندماء والمتكسبين بالحسيلة. وتتسارع إلى تلك الشابة صور من الانحلال الذي عرفته بعض الحواضر العباسية، بما في ذلك التغزل بالمردان والغلمان في الأدب والأخبار والنوادر، وإن لم تكن هذه الظاهرة وقفاً عليهم فقط، بل تشارك مناخ واسع النطاق بعض طبقات المجتمع الحضري يومذاك.
كانوا أشبه بما يطفو على سطح الماء الآسن بينما يركد، لا حرون بيارت بقدر ما يكشفون عنها، ولا يبنون حقًا جديدًا حقًا ما يقتاتون على تصدع الواقع الموجود. لذلك لم يتركهم كتب التاريخ في أبطال، بل أبقواتهم في الأغلبية مثلا على الوجه الأمامي للمدينة بينما للأسف المطبخها، وجه سوقية حين تتجرد من الحياة، والحيلة حين تنفصل عن الأخلاق، والقوة حين تتحول من حماية المجتمع إلى افتراسيه.
ومن الأوصاف التي تكررت في أصول التراثية عند الحديث عنهم:
● السفلة.
● الرعا.
● لماذا لماذا.
●أوباش العامة.
●اللصوص وقطاع الطرق.
● أهل الشر والفتنة.
وهكذا بقي اسم الشطار والعيارين في الذاكرة التراثية عنواناً لمرحلة كانت فيها الفوضى وترتدي الجماعة، وكانت الانفلات الأخلاقي تجد له موطئ قدم بين أن يقاضي السلطة المعترضة.
لا يمارس الرياضيون تاريخ الشطار والعيارين ليمثلوا مارسوا السلبى أو عاشوا على جثث المدن، لأنهم مثلا ظاهرة تنمو كلما ضعفت الدولة وتراجعت هيبة القانون. كانت تستمد قوتها من أسلحةها ومن قوة على فرض الأمر الواقع، وتعيش على القانون الذي تتركه المؤسسات بينما تعجز عن أداء وظائفها.
يرى أن الشبه شبه بين ظاهرة الشطار والعيارين مع ظاهرة المجلس الانتقالي الجنوبي لا تبدو بعيدة. فما فعله فعله هؤلاء، ففعل من الاحتكام الكامل إلى الدولة، برزت مراكز قوى مسلحة للقيام بحضورها على الأرض، وبرزت بفضل من الجبايات والنقاط العسكرية والتدخلات الخارجة عن الأطر القانونية، ما استدعى الحاجة إلى العديد من التساؤلات حول ما هو مفيد وقدرة القانون على الوصول إلى الأعمال النفوذ.
وكما لم يكن من عيار يبنون دولة ما كان إلا ما كان من ضعفها وغيابها، ويغطي أن يعوق النفوذ المجلس الذي لا يزال أه انتقالي خارج المؤسسة الرسمية كرس حالة الهشاشة وبدل من حتى يبطل إلى سوار الهشاشة والمستفيد الأول منها. الخطر الدائم لا يميز فيهم بعينهم ما يميزهم في البيئة التي تتيح بنشوء مراكز قوة تتقدم على القانون، وسرعان ما تأخرت والمساء.
لا يمكن العثور عليه في ما بين الشطار والعيارين ومن سينتقل إلى المجلسي أي قدر من الإعجاب. فالمسألة ليست متشابهة في بعض التفاصيل، بل تشابه في الوظيفة والدور.التي يتم إنتاجها الظاهرتين. ففي الحالتين نحن أمام قوى ننمو في دولة فراغ، واجازة عن أن تغدو دولة، ونستمدها من السلاح أكثر مما تستمده من القانون، وتعيش على اختلال المؤسسات أكثر مما تعيش على قوة المؤسسات.
لقد كان الشطار والعيارون أبناء الفوضى في عصرهم، وكانوا يزدهرون كلما ضعفت الدولة وتراجعت هيبتها. والمجلس تحولي، في تقديري، ليس سوى تعبير عن ظهور الظاهرة. قد تختلف الشعارات، وقد شعر الرايات، لكن الجوهرة تبقى واحدة عندما تصبح الجب إلى جزء معين، والنقاط المسلحة لتتعلم، وتصبح الواقع العمل الشديد من سلطة القانون.
فالأسماء تتبدل، والوجوه تحمل، لكن الفوضى تبقى ولادة ولا تكف عن إنجاب أبنائها. إذا كان التاريخ قد يعرفهم يومًا ما باسم الشطار والعيارين، فسوف يعرفهم اليوم باسم آخر قد يكون مجلس الانتقالي للجنوب العربي.

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



