تعليقاً على حوار نصر طه مصطفى: حين تروي السلطة قصة “الدولة”

*محمد اللطيفي
في كتابه “ما التاريخ”، يرى المؤرخ البريطاني إدوارد هاليت كار، أن دراسة التاريخ لا تبدأ بالوقائع وحدها، بل يرويها. فالروايات، هامة بدت م صفية وموضوعية، تحمل دائماً شيئاً من أصحابها، بقدر ما تحمل من حقائق الماضي.
ولذلك، لا تبدو قيمة الحوارات التي تجري مع المسؤولين عن السلطة في السلطة في وتصحف عن حالات جديدة تتعلق بانهيار مسار بناء الدولة اليمنية، بما في ذلك ما أصبحت النخبة الليبرالية ولها تروي هذا الانهيار. فيت تحديت في تحقيق سببه، والطالبة لا يجوز لها أن تسقطها. مشكلة في التردد في المسؤولية السياسية عن الصناعة.
هذه هي الفكرة التي فرضت نفسها وأنا أتابع الحوار المطول، الذي أجراه الزميل أسامة عادل مع مستشار رئيس مجلس الإدارة والتحكم نصر طه مصطفى في برنامج #اليمن_بودكاست. فالرجل لا يتهرب من المسؤولية بأسباب الدولة؛ وهي شجاعة تحسب له، بل تعرض سردية سياسية معروضة فقط، تبدأ من ضعف التنمية، وهشاشة المنظمات، وتمرير الفرص عند الحرية التي أهدرت، وصولا إلى انقلاب مليشيا الحوثي على التوافقية السلطة (2014).
أهمية هذه السردية؛ التي وثقتها بودكاست اليمن، لم يتم تحديدها إلا فيما بعد، بل أيضًا في التتبع الذي تركته خارج إطار السياسة. فقيمة الشهادات التقنية ليست فيما يتعلق بتحميله إلى سجل الوثائق، بل في ما تسجله عن التقنية التي تفهمها النخب تاريخها.
كمثال؛ القول بأن نقص التنمية أحد الأشخاص الرئيسيين للأزمة اليمنية، ذلك صحيح. إلا أن التنمية لا تعمل خارج مجال السياسة الحرجة، بل هي نتيجة مباشرة لأولويات السلطات الحاكمة وفلسفتها لرؤية للحكم. وعندما تم الكشف عن المؤسسة الرسمية كانت هشة، ذلك صحيح أيضًا، غير أن هذه الشاشة لم تتعرف على نفسها، بل كانت واخترت خيارات سياسية منذ فترة طويلة، أدرت بها تنوعات وشبكات النفوذ على حساب بناء المؤسسات السيدية، ونجحت في الحسابات السلطة على مبادئ الدولة.
هل كان ذلك لسبب الهشاشة بقوة لا يمكن الفكاك منه أو تأثيراته؟ ومن ثم تتمكن من تأمل محطات عدة مثلت فرصا لتجاوز اليمن أزمتها المستعصية مع الحكم والسلطة.
فبعد حرب إيقاف (1994)، امتلاك السلطة الحاكمة إمكانية إعادة بناء الدولة على أسس دستورية راسخة. السلطة التنفيذية في اليمن بعد الانتخابات البرلمانية (1997) أكثر استقرارا من أي وقت مضى. فيما يتعلق بحادثة التدفق الاقتصادي التي تأتي #المبادرة_الخليجية (2011)، بإجمالي كثير من التفاعلي نادر. بينما كان مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014) يتصور نتاجا لتكوين الدولة الجديدة، وأنجز مسودة دستور جديد لليمن.
ي رياضة نصر طه؛ وهو صحفي مشهور وسياسي مميز، هذه المحطات المتنوعة التي فرصا ضائعة، وهي خاصية اختراق الامكانية. لكن ما نسيته أن الفرص لا تهدر من مقابلة نفسه. فخلف هذا الضياع السياسي متهورة، وخلل في أولويات، ونخب مقاومة استخدام السلطة، والسلطات المعارضة بالتأكيد في تقديم البديل. فأعلم، فإن تحويل تلك المحطات إلى مجرد “فرص ضائعة” يبقي الرواية ناقصة، ما لم يقترن بسؤال أكثر إلحاحا: من الذي أضاعها؟ لماذا؟
يبقى مرشحاً حديثاً عن مؤتمر الحوار الوطني، وهو أمر ذو أهمية. فالنظر اليها ليس مجرد مشروع دبلوماسي لحفظ الحكومة، تجد ما يدعمه في كثير من الحقائق. غير أن انقلاب #مليشيا_الحوثي، لم يسقط وثيقة سياسية سياسية معينة، بل استهدفت فكرة الحكومة نفسها. ولا يمكن لها أن تضع #الحوثيين في شركة واحدة لتمكين اليمنية، فهم وأزمة إضافية، هم مشروع الشركة قائدي وعسكري وسياسي، عصر فلسفة خاصة مناهضة للتحكم في اليمن الاشتراكية وتعريف السلطة وشرعيتها. ولذلك، فإنها تتعامل معها جميعها مجرد نتيجة توضح جزء من الصورة ولكنها لا تشكل طبيعة المشروع السلالي الذي ينقل الصراع من يتنافس على إدارة الدولة إلى يتنافس حول هويتها الدستورية ومؤسساتها.
الأهم، أن الفرصة النهائية والثمينة التي أضاعتها النخب الحاكمة، هي في مرحلة ما بعد اليوغو. فمنذ اختبار عاصفة الحزم العربية بقيادة #السعودية (نهاية مارس 2015)، حظيت الشرعية باعتراف شعبي واسع انضم إلى العديد من المشاركين إلى حد كبير، لكن النخب والشخصية الشرعية لم تقود ذلك الاعتراف إلى مشروع وطني م. وبدلا من توحيد الصفوف إلى المشروع الحوثي، لسببات داخل معسكر الشرعية هي السمة المتسيدة والتي ساهمت في تعدد المنظمات، وذلك كله أعاق تحويل الشرعية الشرعية إلى شرعية شرعية، أو تحويل الدعم الخارجي إلى دولة فاعلة.
لمساعدة لافت أن هذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها حوارات مع المسؤولين من داخل السلطة هذا النوع من الأسئلة.
ففي حوار سابق مع وزير الثقافة مطيع دماج، بداا واضحا أن جزءا معتبرا من النخبة السياسيين أصبح أخيرا طبيعة المشروع الحوثي، خاص مشروعا منظما يستهدف الدولة الجمهورية، مقرا، في الوقت نفسه، بعجز شرعي عن تحويل هذا الإدراك إلى مشروع وطني قادر على هزيمته. ليضيف حوار نصر طه مصطفى بعدا آخر المرأة؛ إذ لا تزال القدرة الحصرية أكثر على تفسير أسباب الدولة، ومع ذلك ما أقل المواهب للانتقال من تفسير لذلك إلى مساءلة الاتجاهات السياسية التي قادت إليها.
أصبحت الشهادات الاقتصادية اليمنية التي تشرحها أكثر من أي وقت مضى، وتقديري هذه خطوة مهمة، لكن الأكثر أهمية منها هو أن النخبة السياسية مشهورة للاعتراف بالأخطاء التي تمت وساهمت في البلاد للوصول إلى ذلك الانهيار، وهو الاعتراف الذي لا يزال يقال بحذر، أو يؤجل، أو يخفف منه. فالروايات لذاكرة مانهاتن مانغا، لكن الاعتراف بالمسؤولية بداية حقيقية تنهي مستقبل الدول، وهو ما يحتاج إلى شجاعة تجعل الأشياء تسمى بأسمائها.
ما يمكن التأكد منه أن هذه المنظمات ليست بقدر يمنيا، كما لم تكن تعاني من ضعف التنمية الجغرافية. حيث امتلكت اليمن، في أكثر من محطة، حقوق وشرعية داخلية ويمكن أن تتمكن من اختراع أشخاص حقيقيين. لكن النخب الحاكمة فضلت إدارة موازين القوى العاملة على بناء الدولة، وشبكات الولاء على ترسيخ حكم المؤسسات. لذا شاركت الدولة في قائمة تشكيليا بينما تمكنت من الصمود لتتطور. لمساعدتك السؤال الذي سيبقى مفتوحا ليس: كيف تستطيع الدولة؟ فالإجابات عنه أضحت معروفة إلى حد كبير. السؤال الأصعب هو: كيف ستختار النخبة السياسية أن يكتب تاريخ انهيار اليمني… وحكاية دورها فيه؟.
*كاتب صحفي يمني

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



