أنا وقحطان.. وحوار لم يكتمل بعد

في إحدى ليالي صيف ٢٠٠٩م،
كنت في موعد مع الأستاذ محمد قحطان، فذهبت رسميًا إلى المنزل. قضينا ساعات طويلة في حوار عميق ونقاش متمحور حول السيرة والمسيرة والفكرة والأفكار. كان بعد أن أصبح تحول هذا الحوار إلى كتاب يصدر عن موقع الحديث «إسلام أون لاين» بالضرورة، ضمن برنامج رتّبه الأب الراحل الراحل حسام تمام رحمه الله.
كان يعتمد البرنامج على إجراء حوارات مكثفة مع الشخصيات للتعرف فكرياً وثقافياً وسياسياً في الساحة العربية، ثم نشر الحوار التفاعلي على الموقع ليُثرى بالتعليقات والأسئلة من القراء والمهتمين، وبعد ذلك يُعاد نشره في حلقة مستدركة خذ بعين الاعتبار الاعتبار والأسئلة المقدمة، ليُجمع في النهاية في كتاب خاص بالضيف.
ذهبت تلك المساء برفقة العزيز فائد دحان، الذي كان حديث عهد بالتخرج والصحافة، فأوكلت إليه مهمة التصوير والتسجيل، وتم تسجيله من أهم الأدوات الصحفية. أما أنا، فقد غُصتُ في حوار طويل وعميق أنساني كل ما حولي من التسجيل والكاميرا. سننا فيه من بواكير حياة الرجل الأول حتى تخوم المناطق الشرقية في عالم الجينات والحركات والتيارات والفلسفات القديمة وحديثها.
كان حواراً ثرياً لم أنجز مثله من قبل ولا بعد العمق والثراء. لقد طفنا وطوفنا في أوديه وشعاب الأفكار، من السياسة إلى الفكر الحالي والفلسفة والاجتماع والإيديولوجيات. لم يتدخر شاردة ولا وردة إلا ناقشنا حولها من القطاع المالي إلى الدولة والمجتمع والدين والعالم من حولنا . كشف لي ذلك الحوار الحين عن شخصية الأستاذ قحطان التيار، قارئ في كل فنون المعرفة، تلك المعرفة المقرونة بتجارب وخبرات سياسية واسعة.
كان الرجل مهوساً بهندسة الاجتماع التسويقي اليمني، الذي يستطيع الاجتماع معاقاً يتعامل مع الأيديولوجيات ما وراء الحدود؛ صراعات لم يكن لليمني فيها ناقة ولا جمل، ومع ذلك قدر على اليمني أن يكون شاباً متشيّعاً لما وراء الحدود، وآخر ما حقق فيه هو الذات اليمنية المحطمة والمقيدة.
كان قحطان نهائياً بالضرورة عصيرات السياسة اليمنية، ويؤمن أن الحروب وجنسية طبيعية السياسة. كلما مرت صورة ماتت السياسة. وقررت أن تأخذ الأمر دائماً على أن يكون الحوار لغة السياسة وزادها ومرتبطة. فما دون الحوار والنقاش لا معنى للسياسة ولا القيمة، إذ تكون قد ماتت، وتسيد الجهل والفساد.
وهذه محدودة فهي مفتاح الاستثمار والحل للعضو الوطني في أي زمان ومكان. قائلا إلى الحروب والاقتتال يعني الدخول في مستعمرة «نقعما بعد السياسة»، الذي تمكن بعده العودة إلى مربع السياسة. كان قحطان يمثل ذلك النوع النادر من الساسة الذين يمتلكون قدرة عجيبة على صناعة الجسور وردم الفجوات وإنشاءات وطنية.
وبقدر أهمية هذه المهمة الوطنية واعتبرها ما يكرهه أدعياء السياسة، لأنه لا يمكنهم جسراً للوصول إلى مشاريعهم الصغيرة وغير المشروعة. ولهذا كان ثمة من كان له الضغينة، خاص بمن قاموا بالتواطؤ مع ما قامت به الدولة الوطنية اليمنية للإصدار الرسمي.
كان الرئيس يفضل أن يرى في قح خصمطان بريطانياً عنيداً غير قابل للتطوير أو الشراء، كما في حادث تمويل بيته الشهير من أحد البنوك الإسلامية في صنعاء. وعندما يرفع البنك قضية عدم التوقف، استغل صالح الجائزة والسويد السويدي، لكن قح رفض ذلك رفضاً رافضاً، مفضلاً الذهاب إلى المحكمة على أن يدفع له صالح الدين، لأنه كان يرفض ذلك يعني إسكاته إلى اتفاقه.أما الإماميون، فقحطان — بتاريخه ونضاله واسمه ولقبه — يمنحهم رعباً، إذ كان من القلائل الذين يفهمون ألاعيبهم ولقبه.
كان يحذر منهم البداية، ويجيد التعاطي معهم، ولا يخشى أن يقول لهم في وجوههم إن اليمن ترك زمن الإمامة إلى أمر، وأن طلبتم مجرد «انتفاشة».وفي آفاق الفكر والفلسفة، كان قحطان اليمن الذي قرأ التراث الإسلامي وربي قراءة جيدة. كان مولعاً بقراءة المذكرات الكلاسيكية للزعماء والمفكرين. وسألته ذات يوم: لماذا يستخدم كل هذا الوقت في قراءة مذكرات زعماء واقعيهم وشكلاتهم غير واقعنا وشكلاتنا؟ فقال: «التجارة الإنسانية — ومنها الليبرالية — اختلفت، فيرجى في النهاية تجربة إنسانية، ولا بد من أن تجد فيها قاسماً مشتركاً تستفيد منه».
عادة إلى الحوار الذي يستمر أكثر من ست ساعات، ولم يوقفه إلا أذان الفجر ويامنا للصلاة. أدينت بنجاح، وهو الحوار الذي حققه في بداية مشواري الصحفي. لكن الأمور سارت على غير ما كان متوقعاً وأمولاً.ففي اليوم التالي، وأنا في غاية النصر والانتشاء، وبدأ في تفريغ الحوار.
فنتجت العقوبة الكبرى: التمييز الذي سجلنا فيه سبع ساعات على شريطين وعلى الوجهين، ولم يسجل منها سوى ساعة واحدة فقط! وبقية الست الساعات ذهبت سدى.جن جنوني حينها، وندمت ندامة الكسعي. فاتصلت بأستاذ قحطان شارحاً له ما حدث.
فقال لي: «يا نبيل، ليلة القدر تمر علينا مرة واحدة، ولله نفحات ولحظات، فاغتنمها في وقتها. فما يدريك، حتى أنا لا أريد أن أقول مما قلته في ذلك الحوار». ولكن مع ذلك وعدنا بأن نلتقي مرة أخرى لنعيد المحاولة. وهو من النوع الذي لا يمل النقاش والحوار. والآن لا زلت بانتظار تلك اللحظة والوعد المضروب بيننا، وعسى أن يكون قريباً.
نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



