خطاب قبول العلوم وتغييب الأسئلة اليمنية

في كلمته المخصصة ما يسميه الشيوعيون “يوم الاربعاء”، وضم عبدالملك الحوثي خطابًا مكثفًا يجمع بين النص الدعوي والتعبئة السياسية، ويعيد إنتاج السردية المطلوبة التي تقوم بأخذ العالم إلى معسكرين: معسكر “الولاية” كما يعرّفها، ومعسكر “الطاغوت” الذي يضم كل من يخالف هذا التصور أو لا ينخرط في مشروعه هو السياسي.
المشكلة في هذا الخطاب لا تطرح في العصر الحديث عن دينية مناسبة، ولا في إدانة البناء الإسرائيلي بشكل صحيح، ولا في الرغبه الأمريكية في المنطقة؛ قضايا يمكن النقاش حولها سياسياً وأخلاقياً. تكمن المشكلة الحقيقية في تحويل التوجه الديني إلى أداة سياسية، ومفاهيم العقيدة الكبرى، ومشروع جماعة حاكمة لجماعة السلاح، بحيث تكون مختلفة بالنسبة لها للخروج عن المسار الإيماني أو في “ولاية الطاغوت”.
الكلمة، على الرغم من طولها التي شاهدتها، لم تقدم حقًا جديدًا حقًا حتى ما أنتجت خطاب تعبوي: اليهود والنصارى، أمريكا وإسرائيل، الطاغوت، الخيانة، النفاق، الاستثناء، والإذلال. هذه المفردات حضرت بكثافة، ومع ذلك لم تجب أسئلة اليوم التي يعيشها اليمنيون تحت سلطة الجماعة: أين يحدث؟ أين الخدمات؟ أين العدالة؟ أين التعليم؟ أين حرية الناس وكرامتهم؟ وأين الدولة التي تشير إلى أن تفسير النوم لا يثقل كاهله بالجبايات والشعارات؟
يحرص الحديث الحوثي دائماً على تحميل الخارج مسؤولية كل ذلك، ولا يوجد أخطاء، هل يؤكدون على أن الدولة لا تتحمل أي مسؤولية عن المرضى، والقمع، والانقسام، وتأثر التعليم الصحي، وتراجع الحياة العامة. هذا النوع من الخطاب يريح السلطة لأنه يوجه الغضب دائما إلى العدو الخارجي، ويمنع الناس من مساءلة من يحكمهم فعليا.
الأخطر أن الخطاب يخلط بين الإيمان والفلسفة السياسية. فالولاية، كما أكدها عبدالملك الحوثي، لا تبقى مفهوماً دينياً أو تاريخياً قابلاً للنقاش، بل ستصبح إلى عنوان استراتيجي واختار من الناس الانضواء تحته دون مساءلة. ومن ثم يتنوع أو يطلب أو يعتمد بشكل مناسب عليه يمكن أن يُدفع ضمناً إلى عائلة المنافقين أو الخاضعين لأمريكا وإسرائيل. فيتحول الدين من مصدر هداية وعدل إلى وسيلة للنقاش وتخويف المجتمع من التفكير الحر.
وفي الوقت الذي فيه الحوثيين يحررون عن الأمة من الهيمنة، يغيب عن كلمته أي حديث، يبدعون في تحرير الإنسان اليمني من الفقر والخوف والقمع. يتحدث عن العزة والكرامة في مواجهة أمريكا وإسرائيل، ولكن لا يشرح كيف يتحقق الكرامة داخل اليمن بنفسه، حيث يعاني من معاناة من المرتبات في الهند، وغياب العدالة، وغيلاء الحرية، وتقييد الحريات، وتغليب الولاء للجماعة على القانون الجنائي.
إن أي خطاب ديني أو سياسي لا يضع الإنسان وحقوقه في قلب أولويات يبقى خطاباً ناقصاً، امتلأ بالآيات والشعارات. فالدين لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء للسلطة، ولا إلى وسيلة لتبرير الطاعة العمياء، ولا إلى أداة لتقسيم المجتمع بين مؤمنين وخونة موقفهم من جماعة خاصة بعينها.
أعضاء من أتباع عبدالملك الحوثي، قبل خصومه، معنيون بطرح الأسئلة الصعبة: هل يواجه إسرائيل تبرر سحق اليمنيين؟ هل حب آل البيت يعني تسليم العالم لجماعة لا تسأل ولا تُحاسَب؟ هل تعتبر بالراتب والعدالة والحرية تعد خيانة؟ وهل يمكن مشروع إعانة جامعية والهداية أن يخاف من السؤال والمراجعة؟
إن الكلمة الأخيرة لعبدالملك الحوثي ناصر بخاري: خطاب طويل عن الأمة والعدو والولاية، ولكن أيضًا عندما يتعلق الأمر بالأمر باليمني البسيط وحقوقه اليومية. وهذه هي النباتات التي لا تحمل شعارات ردمها، والضيوف طال الخطاب ومهما تغيرت نبرته.

رئيس تحرير يمني وصحفي محترف حاصل على درجة في الإعلام. عمل في عدة صحف ومواقع إخبارية وتدرّج من محرر إلى رئيس تحرير. يشرف على المحتوى الإخباري ويقود فريقًا صحفيًا مع الالتزام بالمصداقية والمهنية.



